العالم يخشى أميركا ترامب.. هذا أمر جيد!
مارك مايور* - (نيويورك تايمز) 9/12/2016
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بين النخب العالمية، أثارت مكالمة دونالد ترامب الهاتفية الأخيرة مع رئيسة تايوان الخوف على نطاق نادراً ما شوهد له مثيل منذ خطاب رونالد ريغان عن "إمبراطورية الشر". وعلى الأثر، حذرت صحيفة "سيدني مورنينغ هيرالد" من أن المكالمة الهاتفية تعرض "مخاطر إثارة حرب باردة بين الولايات المتحدة والصين، والتي ربما تكون لها آثار اقتصادية وأمنية كارثية". ويبدو أن هذا الخوف يعزز الرواية التي صاغتها في وقت سابق من هذا العام عناوين مثل "دونالد ترامب يرعب قادة العام".
هذا الخوف حقيقي. فقد أرعب السيد ترامب في الواقع الزعماء الأجانب بشعار "أميركا أولاً"، وبوعوده بتكبير الجيش الأميركي وحديثه المتشدد عن كل شيء، من "الدولة الإسلامية" إلى الطائرة الرئاسية "سلاح الجو رقم واحد". والخبر السار هو أن إدارته يمكن أن تحوِّل هذا الخوف لصالح الولايات المتحدة.
خلال السنوات الثماني الماضية، أظهر لنا الرئيس أوباما ما يحدث عندما تحاول أعظم قوة في العالم بشدة تجنب تخويف الآخرين. وكان قد بدأ رئاسته مع الوعود النبيلة باسترضاء الخصوم، والنزول عند آراء الدول الأخرى وتقليل الالتزامات العسكرية الأميركية. ونتيجة لذلك، حصل على تصفيق حماسي في العواصم الأوروبية وجائزة نوبل للسلام. ومع ذلك، كانت النتائج في العالم الجيو-سياسي الحقيقي كارثية.
كانت سلبية أوباما في مواجهة الاستفزازات وفشله في فرض "الخط الأحمر" في سورية هي التي قادت روسيا والصين والخصوم الآخرين إلى السعي للحصول على مكاسب جديدة على حساب أميركا. وأرضت وعوده بـ"إنهاء الحروب" في العراق وأفغانستان الثرثارين العالميين، من ستوكهولم وباريس إلى نيويورك، لكنها أحبطت حلفاء الولايات المتحدة في بغداد وكابول، وشجعت خصومهما في إيران وباكستان. وكان الضرر شديداً جداً حتى أن أوباما اضطر إلى إعادة إرسال قوات إلى العراق في العام 2014، وإلى وقف خططه لسحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان قبل مغادرة منصبه.
ليست رئاسة أوباما سوى الفصل الأخير في ملحمة ما بعد العام 1945؛ حيث سيطر الخوف الدولي من الولايات المتحدة، أو من غياب ذلك الخوف. في العام 1950، قامت كوريا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية لأن استبعاد هاري ترومان كوريا الجنوبية من "محيط الدفاع" الأميركي أزال مخاوفها من التدخل. وعلى النقيض من ذلك، استخدم دوايت ايزنهاور التهديدات الكلامية والإنفاق العسكري العالي لملء قلوب القوى الشيوعية بالخوف من قيام حرب نووية تنهي العالم، وهو النهج الذي منع الشيوعيين من شن المزيد من الغزوات.
حاول ليندون جونسون تفادي قيام حرب كبرى في فيتنام من خلال إظهار ضبط النفس، في انتظار خطوة مماثلة من فيتنام الشمالية. وردت هانوي بصب القوات في جنوب فيتنام. ثم أحيا ريتشارد نيكسون الخوف من الولايات المتحدة بـ"نظرية الرجل المجنون"؛ حيث اتخذ إجراءات بدت متهورة لإقناع أعداء أميركا بأنه قد يكون مجنوناً بما يكفي ليقوم بأي عمل. لكن هذه المخاوف، والحذر الذي غرسته في القوى الشيوعية، تبددت عندما بدأ كونغرس ووترغيت بسحب السجادة من تحت أقدام فيتنام الجنوبية. واستمر العالم في العيش بلا خوف من أميركا قوية في ظل جيمي كارتر، الذي تسبب جبنه في جعل الدول تذهب إلى الشيوعية، وجعل سفارة الولايات المتحدة الأميركية في إيران تسقط في يد المتطرفين المعادين للولايات المتحدة.
في العام 1980، كما في العام 2016، انتخب الأميركيون شخصاً أوضح نيته إعادة زرع الخوف مرة أخرى في قلوب أعداء الأمة. وفي الوقت الحاضر، ما يزال حتى الديمقراطيون الليبراليون يحيّون ريغان لتركيعه الاتحاد السوفياتي على ركبتيه. ومع ذلك، وراءً في العام 1980، أثارت مواقف ريغان القومية الحازمة في السياسة الخارجية نفس الإدانة لـ"ترويج الخوف" التي تأتي حالياً من النقاد المستنيرين في العالم لنهج السيد ترامب.
لا يضمن جعل بقية العالم يرتجف أن السياسة الخارجية الأميركية ستكون ناجحة بالضرورة. فمثل أي ميزة استراتيجية أخرى، سيعمل ذلك فقط إذا تم استغلاله بالشكل الصحيح من خلال اتخاذ قرارات استراتيجية سليمة. يجب استخدام اللهجة المتشددة بحكمة. وكما أظهرت كارثة الخط الأحمر في موضوع بسورية، فإن على البيت الأبيض أن يصدر تهديدات معينة فقط عندما يكون مستعداً لمتابعتها وإنفاذها.
في دبلوماسيتها، يجب على الإدارة الأميركية الجديدة أن تسعى إلى تحقيق التوازن السليم بين الخوف وبين الدوافع الأكثر إيجابية، مثل الاحترام والإعجاب. في عهد السيد أوباما، وأسلافه من ذوي التفكير المماثل، خلقت السياسة الخارجية الأميركية الكثير من الخوف بين بعض حلفاء أميركا -الخوف من أن الولايات المتحدة سوف تخذلهم. وتحتاج إدارة ترامب إلى عكس وُجهة هذه التوقعات، بحيث يعود الشعور بالخوف من الولايات المتحدة مرة أخرى ليكون أقوى بين الأعداء مما هو بين الأصدقاء.
مع ذلك، يجب أن يكون حتى لدى الحلفاء في بعض الأحيان سبب للقلق من قرارات البيت الأبيض. يجب أن يعلموا أن أقوى دولة في العالم مستعدة لاستخدام الحب القاسي، إذا ما اتخذوا إجراءات تتعارض مع قوة الولايات المتحدة أو مع استقرار النظام الدولي. ومن دون هذه المخاوف، من المرجح أن يستمر الحفاء في العمل كما فعلوا كثيراً في السنوات الأخيرة -التقتير على الإنفاق العسكري، والتملص من الالتزامات الدولية، في انتظار أن يتولى الأميركيون -برد فعل انعكاسي- معالجة الأمور نيابة عنهم.
باعتبارها أقوى دولة في العالم، والوحيدة التي تستطيع قيادتها الحفاظ على النظام العالمي، يجب على الولايات المتحدة أن تهتم بما إذا كانت تحظى بالاحترام الدولي أكثر مما تُعنى بما إذا كانت تحظى بحب النخب الدولية. وتبدو الإدارة القادمة في وضع جيد لإعادة الولايات المتحدة إلى هذا المبدأ بعد فترة جفاف استمرت لثماني سنوات. يجب أن يشعر الأميركيون وحلفاء أميركا بالراحة. ويحق لأعداء أميركا أن يخافوا.
وكالة كل العرب الاخبارية