بلاغ رئاسي.. قانون إشهار الهمة
"بما أن كلا من إخواني وزملائي الموظفين الكرام يعلم ما يترتب عليه من السهر على المصلحة الوطنية والمنفعة العامة، أرجو موافاتي بما هو آت:
على كل موظف رئيسي أن ينظم تقريرا يجيب فيه عن المواد التالية:
ما هي الحالة الروحية والوضعية العمومية في دائرة عمله الآن، وكيف كانت عند استلامه؟
ما هي الإصلاحات التي أجراها، وما هي الفوائد الفعلية، وإلى أي درجة حصل التقدم؟
إذا لم يتمكن من تطبيق الإصلاحات المنشودة والسير بعمله إلى الأمام، فما هي العوامل والأسباب، وهل ثمة عوامل خاصة لذلك التوقف أو التقهقر في الأمور؟
ما هو البرنامج الخاص بدائرته المخطوط لأجل المستقبل، اعتبارا من رأس السنة المالية، يعني الأول من نيسان 1924؟
يجب أن يكون هذا التقرير عاريا من الشبهات والتردد والإبهام، لأنه سيكون الميزان والمعيار الأساسي للعمل من الآن فصاعدا.
أطلب أن ترسل هذه اللوائح إليّ خلال أسبوعين لا أكثر. وبعد وصول اللوائح وتدقيقها سأوافيكم بما يجب اتباعه وعمله.
والسلام عليكم".
هذا نص بلاغ صادر عن رئيس الوزراء، كان للزميل والصديق أحمد أبو خليل السبق في نشره دون سواه من وسائل الإعلام على موقعه الإخباري "زمانكم.. قصة الأمس".
لكن مهلا، هذا البلاغ لم يصدر عن رؤساء حكومات العصر الحالي، وإنما صدر قبل 92 سنة بالتمام والكمال؛ أي في العام 1924. وكان أول بلاغ يصدر عن رئيس الوزراء أو ما كان يعرف في زمن الإمارة برئيس مجلس المستشارين، المرحوم علي رضا باشا الركابي، وهو ثالث رئيس منذ تأسيس إمارة شرق الأدن، قبل أن تصبح مملكة في وقت لاحق.
الزميل أبو خليل اختار لهذا البلاغ اسم: "قانون إشهار الهمة"، وهو وصف موفق. لكن الأهم من اسم البلاغ محتواه، ومنهجيته التي تنم عن وعي عميق بمتطلبات إدارة شؤون البلاد، وأدوات مراقبة "الأداء الحكومي"، تتفوق على كل ما عرفناه من استراتيجيات في زمننا.
مع الفارق الزمني؛ نحو قرن من الزمان، تبدو مضامين ذلك البلاغ صالحة ليومنا هذا، لا بل إننا أحوج ما نكون إليها، أكثر من زمن الركابي نفسه. فمن يعاين التراجع في معنويات الموظف العام، وانكسار الهمة، والترهل الإداري، وتراجع الأداء الوظيفي، والعشوائية، وتواضع الإنجاز، يدرك مدى الحاجة لبلاغ الركابي وروحيته الحريصة على المصلحة العامة.
صحيح ان إدارات الدولة في ذلك الوقت، كانت محدودة العدد والعدة مقارنة مع ما لدينا من مؤسسات تناسلت كالنمل، وجيش الموظفين الجرار. لكن الفلسفة الكامنة وراء البلاغ الرئاسي ما تزال حية في علم الإدارة الحديث.
ولاحظوا أن الركابي لم يشر من بعيد أو قريب إلى نيته الاستعانة بخبرات أجنبية لتقييم الأداء؛ فقط طلب إرسال التقارير خلال أسبوعين، ووعد بتدقيقها شخصيا ووضع الملاحظات عليها، لتقويم الاختلالات إن وجدت.
إذا شاء رئيس الحكومة الجديد أن يلتزم بما جاء في كتاب التكليف السامي حول الإصلاحات في جهاز الدولة ومؤسسات القطاع العام، ويحيي الذكرى المئوية للثورة العربية الكبرى، فما عليه سوى إعادة طباعة بلاغ الركابي وتوزيعه، وإطلاق حملة إصلاحية تحت شعار "إشهار الهمة". ومن يخفق في إشهار همته من كبار الموظفين وصغارهم، يغادر موقعه.
الغد