المزيد
عورة

التاريخ : 06-05-2016 |  الوقت : 12:17:04

يقف العالم متفرجاً على سوريا بعد ان افترشها مسرحاً جديداً لصراعاته. حلب تُقصف على مدى أسبوعين، تموت النساء ويُدفن الأطفال أحياء، ويُسحق الأطباء والمسعفون، هؤلاء الذين يشكلون مصدر الأمل والمساعدة الوحيدة لحلب والمدن المحيطة بها، والعالم يقف متفرجاً، كاشفاً عوراته البذيئة بصمته المطبق، راقصاً رقصة خليعة فوق جثث المدنيين، فوق جثث الأطفال. 
التعبير قاس وخارج، وما في الوضع السوري رحيم ومؤدب؟ أين صوت الدول العربية؟ جامعتها؟ مجالسها الكثيرة؟ أين وقفة العالم من أجل السوريين الذين يقتلون بدم بارد في بيوتهم، بين شوارعهم التي كانت ذات يوم ممرات لزيارات الأحبة وتبادل الوصال؟ لقد صمت العالم والنظام السوري المتوحش يعبث في أهله، وكأنهم ملك له، وكأن حيواتهم مجرد دفعة بسيطة لضمان الكرسي والنفوذ. 
ومثل كل نظام قمعي في دولته، ساهم النظام السوري في إيجاد معارضة متطرفة متوحشة، ضاعت في ثناياها المعارضة الحقيقية والصوت السوري الحر الذي أراد تحرير سوريا من القمع والحصول على الحقوق الدستورية والديموقراطية.
قصة حزينة مكررة في كل دولنا العربية أوجدتها الأنظمة لترعبنا بها، أن خياراتنا محصورة بين نظام قمعي ومعارضة إرهابية، والأجدى بنا أن نبقى مع من نعرف، فمرار السلطة أهون من عسل المعارضة الارهابية، أي خطة مريضة هذه؟ أي منطق عقيم؟ 
وهكـــذا، حـــوصرت سوريا، ليس فقـــط بين روســيا والصــين وإيران الـــذين يمــولون النظام الفاشي، ليــس فقط بتدخلات وتمويل أمريكا وفرنسا وغــيرها من الدول الغربــية التي تبــث الأسلحـــة، أو تسكت عن ادخالها في أضعـــف الحالات، للجبهــات المعارضـــة المتطـــرفة، هذه الدول التي تزعــق في وجــــه روسيا «عيـــب» ثم يصفـــقون لها في قفـــاها، وليس فقـــط وسط صمت مطبق وكأن الكـــرة الأرضية لا تعي أن سوريا لها وجــود، ولكــــن حوصرت سوريا كذلك من كل الدول العربية، هذه الدول التي أغلقت حدودها وأودعت لاجئي سوريا مياه البحر، لتغرقهم، لتغسلهم من آثامها التي حفرت أدلتها على أجسادهم وأرواحهم الطاهرة. 
عالمنا غبي، غبي بكل تأكيد. ننظر في تاريخنا البشري فنجد أن كوارث من هذا الحجم قد وقعت، يقف بعدها العالم سنة أو سنتين مرتعباً، مكتشفاً أن الكارثة لا تقف عند الحدود الجغرافية، الأسى لا يعرف نقطة جوازات، المرض والتلوث والكوارث البيئية لا يمكن ايقافها بالرشاشات عند المراكز الحدودية.
ترتعب البشرية لفترة، تكون جهازاً انسانياً عالمياً، تنشئ عصبة أمم، ترتجف تأدباً تحت حقيقة انتشار الكارثة ووصولها حتى للمتسبب بها، ثم ما هي إلا بضع سنوات، حتى يبدأ العصف التخريبي مرة أخرى، دول تمول وأطراف تتدخل وأراض تباع وتشترى وأمم كاملة تباد، واليوم سوريا، سوريا تدفع الثمن، ثمن غباء البشرية.
لقد قامت الثورة السورية من أجل تحقيق العدالة والديموقراطــــية لشعبها العـــــريق، فحـــولها العالم من حوله لحرب أهلــية، وعزز من نظامها الفاشي، لينتصر هذا النظام في معركته، بينما يجلس رئيسه وزوجته وأبناؤه (المثقلون بذنوب والديهم من دون ذنب منهم) يطفئون شمعة ميلاد ويلتقطون الصور. ليست هذه الحرب مسؤولية السوريين فقط، هي ليست حرب السوريين وحدهم، العالم بأكمله مسؤول عن حل هذه المعضلة الإنسانية المهينة، عن وقف هذه الإبادة الجماعية وفوراً.
لا بد من شل يد النظام وعزله فوراً، فعميان البصيرة فقط هم من يستطيعون رؤية سوريا مستقرة وعلى رأسها رئيس يداه مغرقتان في الدماء، ولا بد من محاصرة الحركة الإرهابية العنيفة الداعشية في سوريا، وانهائها فوراً، تلك التي لن تنتهي إلا إذا زال النظام، وهذا النظام الذي لن ينتهي إلا إذا زالت حجة «داعش» التي يرعب بها النظام أهل البلد. 
لا بد للعالم أن يتحرك فوراً: ايقاف القصف وعزل النظام ثم تطهير الأراضي السورية وتركها لأصحابها، لا استخدامها كأرض لصراع طائفي جديد كما هي الحال في العراق الحزين.
لم يعد التخويف بتصوير الوضع على أنه اختيار بين سيئ وأسوء مجدياً، لم يعد اسلوب تثبيت نظام فاشي بالترهيب من معارضة متطرفة ناجعاً. اليوم لا بد للحل أن يكون شاملاً ومؤسساً للسلام والديموقراطية في سوريا من دون أية مساومات.
لا خيار للعالم، وإلا ستلحق به جرائمه وسندفع جميعأً الثمن غالياً عن المشاركة والسكوت ومَنطَقة وضع لم يعد يحتمل المنطق البشري السياسي السخيف. هذه البشرية التي لا تتعلم دروسها أبداً…

د. ابتهال عبدالعزيز الخطيب

القدس العربي



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك