المزيد
الجنيه المصري ورحلة الانهيار الحتمي

التاريخ : 26-04-2016 |  الوقت : 12:50:52

في اليوم التالي لإعلان دولة الإمارات ضخ أربعة مليارات دولار أمريكي في الاقتصاد المصري، هبط الجنيه المصري، مسجلاً أدنى مستوى له في تاريخه على الإطلاق، حيث بلغ سعر الدولار الأمريكي 11.70 جنيه مصري (الخميس 21 أبريل 2016).
ليكون الجنيه المصري بذلك قد فقد نحو 50٪ من قيمته منذ تولي السيسي مقاليد الحكم في البلاد، أي أن نصف أموال المصريين تبخرت وذابت في الهواء خلال عامين فقط، وهو انهيار غير مسبوق في تاريخ مصر، وربما لم يشهد له العالم مثيلاً منذ عقود، اللهم باستثناء دولار زيمبابوي الذي انهار بسبب الانقلابات العسكرية، حتى أصبحت قيمته أقل من قيمة الورق المستخدم في طباعته، وأفلس حاملوه ولم يعد مستخدماً في البلاد. في الأسبوع الماضي قدمت دولة الإمارات أربعة مليارات دولار أمريكي كدعم ومساعدة لمصر. ملياران على شكل استثمارات وملياران كوديعة نقدية مباشرة لدى البنك المركزي المصري من أجل دعم الاحتياطي النقدي المتهاوي للبلاد، وهي مساعدة لا أحد يشك في أنها سخية وتستحق الشكر والثناء، لكنها لم تفلح في وقف رحلة انهيار الجنيه المصري، أو حتى إبطاء التدهور المستمر في سعر صرفه امام العملات الأجنبية.
كان طبيعياً ألا تفلح أربعة مليارات في إنقاذ الانهيار الاقتصادي في مصر، ولا أحد يتوقع أن يتوقف تدهور الجنيه خلال الفترة المقبلة، كنتيجة للإجراءات التي تم اتخاذها حتى الآن، حيث لا يلوح في الأفق ما يدفع للاعتقاد بأن أزمة الجنيه يمكن أن تنحسر، أو انهياره يمكن أن يتوقف خلال المستقبل القريب، حيث بدأت العملة المصرية رحلة هبوط حر، ولا أحد يمكن أن يتوقع القاع الذي يمكن أن يصل إليه الجنيه، في ظل هذا الانهيار. 
المعادلة بسيطة وسهلة، فالاقتصاد المصري ليس صغيراً، وليس مجهرياً، بل ثاني أكبر اقتصاد عربي (بعد السعودية طبعاً)، فهو اقتصاد عملاق، والناتج المحلي الإجمالي لمصر يبلغ 301 مليار دولار أمريكي، بحسب أحدث بيانات صادرة عن البنك الدولي، وضخ أربعة مليارات أو حتى عشرة مليارات سيشكل نقطة في بحر الــ300 مليار، ولا يمكن عبرها انتشال الاقتصاد من أزمته، خاصة أن المشكلة تتمثل في أنه يسير بصورة غير صحيحة ولا صحية، وبالتالي فتكاليف تصحيح اقتصاد مشوه ستكون عالية جداً. وحتى بالنظر إلى الاحتياطي النقدي فقد نزل المصريون إلى الشارع يوم 25 يناير 2011 وخزائن البنك المركزي تحتضن أكثر من 36 مليار دولار كاحتياطي أجنبي، أما اليوم فيترنح هذا الاحتياطي عند مستويات الـ16 ملياراً فقط، وهو أدنى مستوى له في تاريخ مصر الحديث، بعد أن نهب منه الناهبون ما نهبوا وسرق منه اللصوص ما سرقوا!
يدفع المصريون اليوم ثمن وتكاليف نزول الجيش إلى الشارع وهيمنته على الحياة العامة، وسيطرته على السياسة والاقتصاد والإعلام، وهي فواتير باهظة الثمن وبالغة التكلفة، ففي منتصف عام 2013، عندما قرر الجنرال عبد الفتاح السيسي الإطاحة بنتائج ثورة يناير، كان الدولار الأمريكي بستة جنيهات مصرية، واليوم يقترب من الـ12 جنيهاً، أي أن كل مصري من الـ89 مليون شخص دفع نصف أمواله ومدخراته لتمويل عسكرة البلاد، ونشر الجيش في الشوارع وحول المنشآت العامة. 
لا تحتاج مصر لمليارات في بنكها المركزي، ولا تحتاج لمساعدات ماليـــة ونقدية وعينــــية، فهي غنــــية وفيها من المقومات والثروات ما لا يتــوافر لغـــيرها، وإنــما تحتاج اليــوم لسلام اجتماعي وسياسي شامل يعيد الجيش إلى ثكـــناته ويعيد المدنيـــين إلى ممـــارسة حياتهم الطبيعية، بما فيـــها التداول السلـــمي للسلــطة والعيش بديمقراطية وحرية ورخاء وأمان، وعندها فقط فإن نظرية «دعه يعمل دعه يمر» ستنطبق على اقتصاد مصر وينتهي من أزماته.
وخلاصة القول إن وصفة خلاص مصر اليوم تحتاج إلى أمرين لا ثالث لهما، الأول مصالحة داخلية شاملة تعيد الحياة المدنية إلى البلاد وتؤدي لسحب الجيش من الشارع، والثاني مكافحة جدية وحقيقية للفساد الذي يستنزف مدخرات البلاد والعباد وثرواتها ويقوم بتهريبها إلى الخارج في حسابات سرية وشركات وهمية مسجلة في جزر معزولة بأقصى كوكب الأرض.

٭ كاتب فلسطيني

محمد عايش



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك