المزيد
مشهديّة الواقع في «قهوة رديئة» لجمعة شنب

التاريخ : 15-04-2016 |  الوقت : 11:28:04

د. عماد الضمور *

تأتي المجموعة القصصية « قهوة رديئة» للقاص الأردني جمعة شنب والصادرة عام 2015م عن الأهلية للنشر والتوزيع في سياق الحديث عن واقع مأزوم تحياه شخوص قصصه، ويعاني منه الأنسان المعاصر بشكل أو بآخر. إنّ قصص جمعة شنب بعناصرها الناضجة والبسيطة ـ في الوقت نفسه ـ  وبشخصياتها المتعددة وأدائها لوجهات نظرها التي تعكس رؤى القاص وتجربته الحياتية تمكنت من خلق حالة وعي خاص عند المتلقي وإنتاج مستويات خطابية أثيرة تعكس قدرة القصة القصيرة على خلخلة الواقع وصياغته في قالب إبداعي. يحمل العنوان النعتي « قهوة رديئة» حالة خاصة وروحاً جامحة انعكست على مجمل قصص المجموعة القصصية؛ فالقهوة رديئة متجاوزة ما تحتفظ به في الفكر والوجدان من مذاق ونكهة لذيذة، إذ يدفع التحوّل ـ غير المألوف ـ في طعم القهوة إلى البحث عن أسباب، التي ما تلبث شخوص قصصه أن تُفصح عنها، وتخبرنا برداءتها. على الصعيد العنوان « قهوة رديئة» نلمس إثارة فكرية وبعداً اجتماعياً ينبعث من خلاله؛ إذ تحتل القهوة في الوجدان ما تحتل من أصالة وعنفوان ، وصفات أخلاقية متوارثة وعادات اجتماعية محببة للنفس، لكن نعتها بالرديئة يُصعد من غرابة العنوان، وتمرد القاص المبكر على مألوفية اجتماعية وتصاحب معجمي للقهوة يعترف لها باللذة والمذاق الطيب. لقد نجح جمعة شنب في استثمار الرصيد المعرفي للقهوة للولوج في الفكرة التي يريد بعثها في قصصه، الأمر الذي يُقرّب العنوان القصصي من الواقع المأزوم الذي تبعثه الشخوص متفجراً بالأحداث ومليئاً بالمتناقضات، وتبدّل الطبائع والأحوال. إنّ معرفتنا للواقع المأزوم الذي تحياه الشخوص في قصص جمعة شنب يُعيد التوازن للعنوان، وتجذب المتلقي إلى فضاء السرد لتمنح التنافر الدلالي للمعنى الذي حمله العنوان اتساقاً في التأويل، ووضوحاً في الرؤيا. وهنا أقتبس بعض ما كتبه الشاعر زهير أبو شايب على غلاف المجموعة القصصية التي يميل فيها إلى مشهديّة القص وقدرة جمعة شنب على رسم ملامح شخوصه بدقة ؛ لتؤدي دورها ببراعة:»إنّ الواقع في قصص هذه المجموعة ، ليس واقعيّاً ، وليس أيقونياً ، ولذا فإنّ مقاربته لا تكون إلا من خلال لغة انطباعية ترسم المشاهد والأحداث والشخصيات بضربات قليلة وعنف كثير. إنّ العنف الطفولي اللذيذ، الذي تمتاز به قصص هذه المجموعة ليس سوى حيلة للعبث في ذلك الواقع الآسن، والعمل على إعادة تشكيله وتجريده من فائض سكونيته». يقدم عنوان أول قصة في مجموعة « قهوة رديئة» تصوّراً لمشهديّة الواقع، فنقرأ في قصة « أولاد الحارة» فضاءً مكانيّاً واسع زاخر بالأحداث المنتمية للواقع والزاخرة بالدلالة، ليلعب القاص على الإيحاء الدلالي للمفردة اللغوية ويوظف قدرتها على اكتناه العمق الإنساني ممّا يدفع المتلقي إلى البحث في الدلالة ، يقول جمعة راسماً ملامح شخوصه:» لقد قرّت عقولنا الصغيرة تلك الأيام، على أن أم فتحي امرأة جشعة تأكل حصة زوجها طوال الوقت لكنها تنصف ابنها وتبقي له كميات كافية من الطعام. لكن صوتها المفزع القادم من وراء جدار البيت الواطئ وعبر ثقوب الباب الصفيحي قد هزّ ضمائرنا غير المتشكّلة بعد، وجعلنا ننحو منحى آخر» (قهوة رديئة، ص 7). إنّ عنوانات جمعة شنب في مجموعته ليست بالاعتيادية ولا المباشرة بل أنها تعتلي النص القصصي بشفافية عالية، لا ينبغي النظر إليها بالبساطة والعفوية بل بالقصديّة المشبعة بالدلالة والمعمقة للرؤى، كما في عنوانات  القصص:» الرجل الطويل» و» حافلة» و» عشيرة» وعلبة سجائر أبي» و» أبو خليل» و» سائح» كعك بالسميد» و» حمار» وغيرها.  نقرأ قصة « حمار» بدلالتها المكتنزة وإيحائيتها العالية ولغتها البسيطة:» رأى منصور ـ في ما يرى الصاحي ـ رأى نفسه حماراً هرماً وقبيحاً ورأى زوجه تعتليه وبنته تجرُّه من حبل، يطوّق عنقه المتجعدة فيما جهد ابنه برفع ذنبه ، وصفع مؤخرته الهزيلة بعصا مسطحة ، تُحدثُ فرقعة مع كلّ صفعة. وقد جاهد للخروج من المأزق الذي وجد نفسه آل إليه مؤخراً فارتعش ارتعاشات مقصودة بدهاءٍ لا تقدر عليه الحمير فسقطت زوجه عن ظهره ورفس ابنه بين فخذيه ثم عض ابنته فأدماها وولى هارباً» (قهوة رديئة ص55). وبذلك يتداخل الواقعي بالمتخيّل والهزل بالجد، ممّا يجعل العنوان مفخخاً بالغرابة والعجيب، يحمل خطاباً ليس اعتياديّاً ويمنح النص دلالات تنشّط من عملية التلقي ، منتجة خطاباً يدمج العقلاني باللاعقلاني والشعور باللاشعور واليقظة بالحلم والمعاش بالمتخيّل. فشخصية منصور في حلمها ترسم واقعاً يتكشف يوماً بعد يوم إذ يتقدم السرد في هيئة حُلم تراه الشخصية الرئيسة، ممّا يجعل القصة من حيث هي خطاب سردي وحدة متكاملة ، لكنها من حيث المحور الزمني للأحداث قصتان: قصة ظاهرة متكشفة في هيئة حلم تسرده الشخصية المركزية (منصور)، تبدأ بسرد الحلم حتى تنهيه، وقصة باطنية متخفيّة وراء الحلم، ينفذ من خلالها القاص إلى الواقع بسلبياته، وتبدّل القيم، وضياع الأخلاق. تمتاز قصص جمعة شنب بملمح فني يتجلّى في المفارقة التي تمنح اللغة حمولة دلالية غنية بالمعنى وتحوّل المشهد الحياتي إلى خطاب إنساني خصب، فالواقع متخم بالمفارقات اليومية الساخرة التي توفر للقاص فرصة التقاط بعضها والبناء عليها، بطلها ضمير الغائب (هو) ليعري الواقع بحرية ويمنح شخوصه قدراً من الحيوية تختبر قدرة المتلقي التأويلية ، لأن المفارقة لعبة عقلية تشكل استراتيجية للقاص وتنتج تأويلاً عند المتلقي ؛ ليكتمل النص وتتحقق المتعة. نلاحظ في قصة» لقاء» مفارقة واضحة يُنهي بها القاص قصته بعدما تسير وفق نسق واقعي منطقي، وهذا شأن جمعة شنب في بناء مفارقته يعمد إلى التلقائية وسير الأحداث بطبيعتها  المألوفة؛ لينهي بعد ذلك قصته بالمفارقة محققاً صدمة وجدانية عند المتلقي لا تلبث أن تستمر طويلاً في ظل معايشته لواقع منهار ومعرفته بشخوصه المأزومة. تسير أحداث قصة « لقاء» حول لقاء أرمل بأرملة كلاهما يعاني فعل الفقد، وكلاهما يتوق إلى علاقة عاطفية وتعويض لما فقد في حياته، يُجري الكاتب بينهما حوراً لتنبني الدلالة ويتكشف المشهد المأسوي لهما، فالأرمل (موسى) مصاب بالدسك في الرقبة وفقرات العمود الفقري، وجسمه منهك بعدما أجرى عملية بروستات ، فضلاً عن نظره الضعيف، أمّا الأرملة (عفيفة) فلم تكن بأحسن حالاً من (موسى) فهي خلعت فكها السفلي، واستئصلت رحمها منذ زمن وتعاني من ارتفاع في السكر وضغط الدم وقرحة شديدة في المعدة وهشاشة في العظم وضعف في النظر. يُنهي القاص قصته بمفارقة تختزل المشهد  وتقدم الحياة بسوداويتها:» ارتدى كلاهما نظارتيهما، وراحا يحدقان في النادل الواقف منذ أكثر من ثلاث دقائق» (قهوة رديئة، ص 53). يضمّن جمعة شنب مجموعته القصصية» قهوة رديئة» بقصص قصيرة جداً ويجعلها تحت عنوان جامع « ومضات» ولعله بذلك يحاول فصلها عن بقية قصصه القصيرة وإن كانت ذات بنية دالة وفكرة أكثر إيجازاً، إذ ليست مطالبة القصة القصيرة جداً بالمضمون أكثر من الأسلوب هي غاية النقد الأدبي والمبدع فحسب، بل يسعى القاص الناجح إلى توافرهما في عمله الفني بغية طرق أبواب جديدة، وفك مغاليق الواقع، أو محاولة ذلك على أقل تقدير، فهي تقوم على العرض، والنمو، والعنصر المسرحي الذي يوفره الحوار، وبتوافر هذه العناصر يمكن للمضمون أن يتكون أو يتخذ شكله في ذهن المتلقي، وإذا كانت القصة القصيرة جداً تقوم على الإضاءة أو فعل التنوير فإن ذلك يمكن أن يكون أو تؤديه هذه القصة في سعيها نحو التشكّل محققة هوية قادرة على البوح عن مكنوناتها. تتأتى متعة قصص الكاتب القصيرة جداً بما تبعثه في المتلقي من إثارة فنية توازي الإثارة الفكرية المتضمنة في ثنايا المعنى، والتي جاءت نتيجة حتمية لاقتناص المبدع للحظة الشعوريّة التي تدفع بالمضمون إلى واجهة اهتمام المتلقي، إذ ينسل المضمون القصصي من ذاكرة حيّة، وبحر عميق الدلالة. يقول في قصة « زوجان»:» ثمة رجلٌ وامرأة يقفان الآن ، تحت المظلة المعدنية الكالحة في انتظار الحافلة الطويلة موليين ظهريهما بعضهما لبعض، كما فعلا ليلة أمس لمّا قصدا الفراش» (قهوة رديئة ص68). فالقاص في مجمل قصصه يعرض الحدث ممارساً نوعاً من الدراميّة للإثارة وبث الحركة والحيوية في نصوصه القصصية، فهو يقتفي حالة أو فكرة تمثل ومضة في الحياة اليومية ليمارس سلطته السردية عليها. كما في قصة» ذعر» حيث يقول:» في موجة الذّعر من الموت، الذي أحاق بالمدينة وساكنيها، زارت ـ على عجل ـ آنسةٌ سيدةً في بيتها وكان عليها خلع نعليها فاحتضنتهما تحت إبطيها وحدّقت في وجه صاحبة البيت ثم قالت :» اسمعي أيتها السيدة أنا أحبّ زوجك وأريده وإن اعترضتِ فسأدمي خديّكِ بنعليّ هذين» وارتدتهما وخرجت» (قهوة رديئة ص 70). لقد نجح جمعة شنب في مجموعته القصصية « قهوة رديئة» في تكثيف أفكاره وجعلها قابلة للتوهج عند المتلقي، وذلك بتوظيف تقنيات قادرة على إعادة صياغة الواقع إبداعياً بلغة ذات حمولة دلالية تستند إلى البوح والتلقائية الشفيفين أحياناً والمفارقة حيناً آخر التي تظهر نهاية سرديّة تعرّي الواقع بروح ساخرة.

* أكاديمي من الأردن

الدستور - وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
اقرأ أيضا
استفتاءات
كيف تتوقع نهاية الاحداث الجارية في قطاع غزة؟



تابعونا على الفيس بوك