المزيد
ما بعد “وثيقة الجلوة”.. حلم العودة يواجه تحديات الالتزام

التاريخ : 06-10-2021 |  الوقت : 11:23:37

وكالة كل العرب الاخبارية

ما أن صدرت وثيقة ضبط الجلوة لإنهاء معاناة ضحايا “فورة الدم” و الخوف من الثأر، حتى برز تحد تمثل في كيفية ضمان الالتزام بتنفيذها.
وعقب الإعلان عن الوثيقة التي وقع عليها 1570 وجهاً عشائرياً، وصارت مُلزمة وواجبة التنفيذ من الحكام الإداريين، حتى ظهرت تباشيرها في محافظة المفرق بصدور قرار عودة 59 شخصا إلى منازلهم في المحافظة كانوا قد أجلوا منها منذ سنوات، كذلك أعلن محافظ العاصمة ياسر العدوان أمس، إنهاء معاناة 13 عائلة مكونة من 67 شخصا، بعد تطبيق وثيقة ضبط الجلوة العشائرية المستعصية بين عشيرتي أبو ريشة وعشيرة العدوان في منطقة شفا بدران، وقد مضى على حدوثها ما يقارب من 7 أعوام.
وبحسب الاتفاق الذي نظم في مكتب محافظ العاصمة أكد “الحضور وولي الدم من عشيرة أبو ريشة، أهمية الأعراف العشائرية الأردنية وتمسكهم بها بما تمثله من مرجعية للكثير من العشائر على مستوى الوطن العربي ولما تقوم عليه من مبادئ أساسها العفو والتسامح والصفح والكرم وحسن الجوار والخلق الرفيع”. ودعوا إلى ضرورة التزام أبناء المجتمع الأردني بأصوله ومنابته كافة بالوثيقة التي أقرتها وزارة الداخلية وهي تعد فرصة للجميع لمواكبة المستجدات والمتغيرات التي طرأت على ظروف المجتمع الأردني.
لكن رغم هذه التباشير، يظل السؤال حول مصير الآخرين في قضايا قدرت وزارة الداخلية أعدادها، حسب الوزير مازن الفراية، بـ 413 قضية عشائرية عالقة أمام الحكام الإداريين.
ففي محافظة البلقاء توجد 15 قضية جلوة عشائرية، ما تزال عالقة دون حلول، ومن بين هذه القصص العديدة، تحدث بها مهتمون بالشأن العشائري في محافظة البلقاء لـ”الغد”، اضطرت نحو 12 أسرة إلى الجلوة من المحافظة إلى محافظة جرش، إثر جريمة قتل راح ضحيتها شاب على يد آخر بسبب خلافات بينها، ولم تعد تلك الأسر إلى منازلها بسبب عدم حدوث صلح بين الطرفين، رغم مرور أكثر من 10 سنوات على وقوع الجريمة.
وكذلك الأمر بالنسبة لـ7 عائلات أخرى، اضطرت إلى الجلوة من محافظة البلقاء، إلى مناطق بعيدة في عمان، بعدما اشتعلت مشاجرة تخللها قيام شخص بإطلاق النار على آخر وقتله، قبل نحو 8 سنوات، بسبب مشادات كلامية بدأت بين شخصين واتسعت إلى مشاجرة بالأسلحة.
وفي محافظة الكرك، ماتزال عشرات العائلات تأمل في العودة إلى منازلها في المحافظة حيث تم ترحيلهم إثر جلوة عشائرية إلى لواء ذيبان بمحافظة مادبا، في وقت تواصل الجهات الرسمية والعشائرية لإنهاء الجلوة بحيث تقتصر على من نصت عليهم الوثيقة.
وتعد الجلوة العشائرية، بحسب محافظ البلقاء الدكتور فراس أبوقاعود،” أحد الأنماط التي تسلكها العشائر لوأد النزاعات والقضاء عليها وخاصة في قضايا القتل والعرض، حيث تعتبر الجلوة العشائرية من أكثر التقاليد المتوارثة وينظر إليها على أنها عقاب جماعي للجاني وعشيرته”، مضيفا أنه “لا يوجد في الأردن قانون يبيح أو ينظم أو يجرم هذه العادة التي تطبق في حالات جرائم القتل والعرض، حيث يلزم ذوو الجاني وحتى قبل إدانته بالجرم بترك منطقة سكناهم والانتقال إلى منطقة أخرى على أن هذه العقوبة لا تشمل عائلة الجاني بل تمتد لتشمل أقاربه حتى الجد الرابع أو الخامس، الأمر الذي يترتب عليه هجرة قسرية إلى منطقة بعيدة تاركين أملاكهم ومصالحهم التي ربما لا تسلم من الاعتداء، عدا عن حرمانهم من وظائفهم وحرمان أطفالهم من مدارسهم لمدة قد تطول إلى حين التراضي وحل المشكلة”.
وبين أبو قاعود، في تصريح إلى “الغد” أن “الحكومة ألتفتت للمشكلة مبكرا، ولغيرها من العادات العشائرية المتبعة، حيث اتخذت خطوات في سبيل ذلك انتهت بتنظيم وثيقة عشائرية تنظم هذه العادات ومنها الجلوة العشائرية واقتصارها على الدرجة الثالثة واتشحت بالتوقيع الملكي السامي من جلالة المغفور له الحسين بن طلال طيب الله ثراه العام 1987 وقد اشتملت هذه الوثيقة على 16 بندا منها ما تم الالتزام به وتطبيقه منذ ذلك الحين، إلا أن موضوع الجلوة العشائرية ما يزال يطبق بشكل يخالف هذه الوثيقة بشمول عدد كبير من ذوي الجاني وعشيرته، الأمر الذي استدعى الوقوف عند ذلك واتخاذ إجراءات حاسمة وحازمة من قبل الحكومة حيث قامت وزارة الداخلية بخطوات جريئة في سبيل معالجة هذا الإرث الثقيل على المجتمع الأردني من آثاره وتبعاته إنسانيا وأمنيا وذلك انطلاقا من مبدأ سيادة القانون واحترام صورة الإنسان باعتبار أن المملكة الأردنية الهاشمية دولة قانون ومؤسسات، لا سيما أن جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين أشار في الورقة النقاشية السادسة (سيادة القانون أساس الدولة المدنية) إلا أن مسؤولية تطبيق القانون وإنفاذه بمساواة وعدالة ونزاهة تقع على عاتق الدولة وأن مبدأ سيادة القانون هو خضوع الجميع أفرادا ومؤسسات وسلطات لحكم القانون”.
وأضاف، “لكل ذلك، شرعت وزارة الداخلية بإعداد وثيقة لضبط الجلوة العشائرية تحديدا، إنفاذا لأحكام الدستور والقانون وللحد من تبعاتها باعتبارها صارت عادة سلبية لا يمكن استمرارها كونها لا تخدم الأمن والسلم المجتمعي وتتعارض مع حفظ كرامة المواطن الأردني وهي الأسمى وعدم التجاوز على حقوقه الاجتماعية والاقتصادية”، لافتا إلى أن “هذه الوثيقة وضعت ضوابط لتنظيم الجلوة العشائرية للحد من آثارها وتبعاتها بتحديد مددها والمشمولين بها واقتصار تطبيقها على قضايا القتل والعرض وأن تشمل القاتل وأبناءه ووالده من الذكور فقط وتمديد مدتها سنة واحدة ومكانها من لواء إلى لواء أو من حي إلى حي داخل المدينة الواحدة وغيرها من النقاط التي تعتبر بداية حقيقية للتعامل مع هذا الموروث الذي صار ظله ثقيلا على المجتمع الأردني لكافة مكوناته”.
وأعرب محافظ البلقاء عن أمله في أن يكون المواطن الأردني الواعي رديفا قويا للأجهزه التنفيذية في هذا الموضوع لكي نتكمن من تطبيق هذه الوثيقة بالشكل المناسب، وتحقيق الغاية المرجوة منه، مبينا أنه سيكون هناك تطبيق حقيقي وقوي لهذه الوثيقة من قبل الحكام الإداريين والأجهزة الأمنية باعتبار أن ذلك أمر ثابت لا يمكن التراخي فيه أو التهاون في تطبيقه انطلاقا من حرص الجميع على أمن المجتمع.
في موازاة ذلك، يشدد شيوخ ووجها عشائر على ضرورة الالتزام بالوثيقة كونها تعكس مطلبا استمر لعقود، ويحذرون من عدم الالتزام بها.
ويقول الشيخ وائل جمال أبو بقر، الذي يعد أحد أبرز شيوخ قبيلة عباد ومحافظة البلقاء، لـ”الغد”، إن الوثيقة تشكل انفراجة حقيقية في ملف الجلوات العشائرية، لا سيما أنها تحد من معاناة كثيرين يتم إجلاؤهم ولا ذنب لهم بالجريمة، سوى أنهم من أقارب الجاني، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الوثيقة الجديدة لا تخل بحقوق أهل المجني عليه، وهي مكفولة عشائريا وأمنيا وقانونيا.
كما أكد الشيخ أبو بقر، أن الوثيقة تعكس مطالب عمرها عقود لإعادة النظر بإجراءات الجلوة، بما يخفف إلى أقصى حد ممكن من تداعياتها على أبرياء ليس لهم صلة بارتكاب الجريمة، لافتا في هذا الصدد إلى أن التوسع بالجلوة تسبب بقطع أرزاق كثيرين وشتت شملهم، ومنعهم من القدرة للوصول إلى مسقط رأسهم، فضلا عن الكثير من السلبيات التي تلحق بهم.
وشدد أبو بقر على ضرورة تطبيق بنود الوثيقة بحذافيرها، والتعاون بهذا الشأن مع الأجهزة الأمنية والحكام الإداريين، مشيرا إلى أنه لمس ترحيبا واسعا بالوثيقة من أبناء المحافظة، مبينا أن العشائرية الأردنية على امتداد المملكة بأبنائها وشيوخها تنحاز دائما إلى ما فيه مصلحة الوطن ورفعته.
غير أنه وفق أحد وجهاء المحافظة، فضل عدم ذكر اسمه، فإن الوثيقة ورغم أهميتها وضرورتها، إلا أن التحدي الأبرز، هو في مدى الالتزام بتطبيق بنودها عند وقوع الأحداث.
وأضاف لـ”الغد”، أن التزام الجميع بالوثيقة سيشكل علامة فارقة في الملف العشائري، ويعكس الصورة الإيجابية الحقيقية لحرص أبناء العشائر على كل ما فيه خير للوطن وناسه، مشددا على أن المسألة الرئيسية في الوثيقة هي أنها تضمن حقوق الأطراف كافة، وليس فيها محاباة لأي طرف على حساب آخر.
وبالعودة إلى الوثيقة الجديدة، فقد نصت على أن مكـان الجلـوة يكـون مـن لـواء إلى لـواء، أو مـن حي إلى حي داخل المدينة، وحسب نوع وظروف القضية، في حين يعود تقدير قيمة الدية إلى قاضي القضاة.
وبموجب الوثيقة، لا يلاحق عشائرياً الموظفون العـامون الذين تقتضي طبيعـة عملهم اسـتعمال السلاح أثناء الواجب الرسمي ما لم يثبت عكس ذلك قضائياً، فيما لا يشكل التواجـد في المؤسسـات والدوائر الرسـمية والجامعات والمدارس خرقاً لشروط العطوة.
أما في حال الإقـدام عـلى الثـأر والانتقـام، فيجـوز لـذوي المجـني عليـه مطالبـة ذوي الجـاني بالديــة المغلظـة، إضـافة إلى الملاحقة القضائية، كما يحظـر منـع المشمولين بـالجلوة مـن التصـرف بـأموالهم المنقولة وغير المنقولة وفقاً لأحكام القانون.
وجاء في الوثيقة، أنه تتخذ إجـراءات مشددة بحـق كـل مـن يـقـوم أو يشارك أو يحرض على إلحاق الضرر بالممتلكات العامة والخاصـة كـردة فعـل عـلى وقـوع الجرائم، ولا يؤخذ بأي حجج أو ذرائع كذريعة “فورة الدم”، إذ لا تعتبر الأفعال التي تؤدي إلى إلحاق الضرر بالممتلكات العامة والخاصة ضمن “فـورة الدم” كردة فعل على وقوع الجرائم، واعتبارها قضايا منفصلة لا ترتبط أو تؤثر على الإجراءات العشائرية.
وحظرت الوثيقة، العادات المتعلقة بدفع مبالغ نقدية أو عينية أو غيرها كـ”فراش العطوة، والدخالة، أو الجيرة”، أو ما يتقاضاه كفلاء “الدفا والوفا” مقابل كفالاتهم ومصاريف العزاء أو أي أمور دخيلة، بينما تنتهي كافـة الإجـراءات العشائرية حـال صـدور الحكـم القضائي القطعي.
بدوره تمنى النائب الدكتور غازي الذنيبات، أن تكون ملزمة وأن يكون هناك تعاون في تطبيقها، مبديا تخوفه من بعض الأطراف قد ترفض مثل هذه الوثيقة، مشيرا الى انه تم في السابق اصدار عدة وثائق لتنظيم الجلوة العشائرية والتي هي بالأساس مخالفة للدستور والقانون والدين.
وشدد الدكتور الذنيبات على ضرورة تكريس الجهود من أجل تطبيق هذه الوثيقة بحيث تصبح ملزمة للجميع، مطالبا الأطراف التي لها علاقة بالجلوة العشائرية بتنفيذ هذه الوثيقة وذلك تخفيفا على الاسر التي تم معاقبتها دون أن يكون لها أي علاقة بالجريمة المرتكبة والرابط الوحيد هو علاقة الدم.
في حين بين العين السابق طلال الماضي أن الجلوة جاءت بهدف إبعاد طرف الجاني عن مكان الجريمة تجنبا للاحتكاك أو التصادم والانتقام بين طرفي النزاع، مبينا أنها قديما حينما كانت تفرض كانت البيئة والظروف وأعداد الناس ليس كما اليوم، من حيث عدد الأشخاص الذين سيطبق عليها عرفها ونظامها، وعليه فهي باتت في بعض الأحيان أشبه “بالانتقام” من جانب أهل المجني عليه من حيث تحديد مكان الجلوة واختيار المكان البعيد وإلى غير ذلك.
وأشار الماضي إلى تبعات الجلوة العشائرية المقلقة، سواء الاقتصادية والنفسية، والتي تتطلب ترك الناس لمصالحهم ومشاغلهم والانتقال لمكان جديد له طبيعته وبيئته التي تترك آثارها السلبية على الأطفال والنساء، فكان التوجه الرسمي وبمساندة الحكماء والوجهاء لوضع حد لها وتنظيمها من قبل الحكومة بشكل رسمي على شكل هذه الوثيقة التي تم اقرارها واعتمادها.
ووثيقة الجلوة العشائرية الجديدة، تنصب، بحسب وزارة الداخلية، بشكل رئيس على جريمة القتل، ويشمل بالجلوة القاتل، ووالـد القاتل، وأبناء القاتل من الذكور فقط لا غير.



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
أقراء أيضا
أستفتاءات
هل تعتقد اننا انتهينا من خطر كورونا؟
نعم
لا



تابعونا على الفيس بوك