المزيد
حدود ماتاريلا التي لا يمكن تجاوزها

التاريخ : 10-06-2018 |  الوقت : 02:52:34

جان بيساني فيري* 

باريس -  أدى رفض الرئيس سيرجيو ماتاريلا تعيين باولو سافونا المشكك في جدوى البقاء في الاتحاد الأوروبي، كوزير للاقتصاد والمالية في الحكومة الائتلافية التي اقترحها قادة حركة النجوم الخمس والرابطة -الحزبين المناهضين للنظام اللذين فازا في الانتخابات العامة في آذار (مارس)- إلى اندلاع أزمة سياسية عميقة في ايطاليا. وقد دافع سافونا علناً عن إعداد "خطة" للخروج من العملة الموحدة، وقال ماتاريلا أن تعيينه كان من الممكن أن يؤدي إلى تلك النتيجة تحديداً.
أثار قرار ماتاريلا ضجة كبيرة. ودعا لويجي دي مايو، زعيم حركة الخمس نجوم إلى مساءلة الرئيس، ولكنه سحب هذا الطلب فيما بعد. كما طالب ماتيو سالفيني، رئيس الرابطة، بإجراء انتخابات جديدة، وقال إنها ستكون بمثابة استفتاء حول حرية أو استعباد إيطاليا. وفي فرنسا، شجبت مارين لوبان، زعيمة الحزب اليميني المتطرف التي شاركت في الحملة الانتخابية للرئاسة الفرنسية في العام الماضي بناء على وعد بمغادرة اليورو، ما أسمته بـ"الانقلاب".
ليست هذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها الاستمرار في عضوية منطقة اليورو قضية سياسية مهمة. ففي اليونان في العام 2015، كانت هذه القضية جزءاً من النقاش حول قبول شروط الدعم المالي. وفي فرنسا في العام 2017، ناقشتها لوبان وإيمانويل ماكرون بشكل صريح خلال الحملة الرئاسية. لكن هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها اليورو السبب المباشر لنزاع قانوني حول تعيين الحكومة.
علاوة على ذلك، يعكس الارتفاع المفاجئ في أسعار السندات الحكومية المخاوف في الأسواق المالية. لكن هذه الأزمة أثارت، أولاً وقبل كل شيء، تساؤلات كثيرة. هل يعني قرار ماتاريلا أن الناخبين لا يمكنهم التشكيك في عضوية اليورو؟ ما هو النطاق الناتج عن الخيار الديمقراطي؟ وهذه قضايا أساسية ذات عواقب بعيدة المدى بالنسبة لجميع المواطنين الأوروبيين.
كانت دوافع ماتاريلا واضحة للغاية. لم يعترض على حق الإيطاليين في استجواب عضوية اليورو، لكنه قال إن هذا يتطلب مناقشة مفتوحة، تستند إلى تحليل جاد ومتعمق، في حين أن القضية لم تطرح في الحملة الانتخابية. وبما أن رئيس الوزراء المكلف، جيوسيبي كونتي، وزعماء الحزب الذين يدعمونه رفضوا اقتراح أي مرشح آخر للمنصب، فقد خلص الرئيس إلى أن واجبه الدستوري يقتضي رفض الموافقة على التعيين.
نتيجة لذلك، رسم ماتاريلا خطا يفصل بين القرارات الدستورية والسياسية. وكان منطقه هو أن الخيارات السياسية يمكن أن تتخذها بحرية حكومة تحظى بأغلبية برلمانية، وأن الرئيس لا يحق له التشكيك في مثل هذه القرارات. وعلى النقيض من ذلك، تتطلب القرارات الدستورية عملية صنع قرار مختلفة تضمن أن يكون الناخبون على دراية كافية بالعواقب المحتملة لقرارهم. وفي غياب مثل هذا النقاش، أوضح ماتاريلا أن واجب الرئيس هو الحفاظ على الوضع الراهن ومنع اتخاذ قرار بالغ الأهمية من خلال توقعات السوق.
 يبدو هذا التمييز منطقيا من حيث المبدأ. ففي جميع الديمقراطيات، تحمي الدساتير حقوق الإنسان الأساسية، وتحدد طبيعة النظام السياسي والمسؤوليات على مستويات مختلف من الحكومة. ولحسن الحظ، لا يمكن تغيير هذه الأحكام من خلال تصويت أغلبية بسيطة في البرلمان. ويمكن تعديل الدساتير، ولكن غالباً ما يكون التعديل بطيئاً، وفقط بأغلبية ساحقة أو، في بعض البلدان، عن طريق إجراء استفتاء. ويسمح هذا الجمود للمواطنين بالحفاظ على أفضلياتهم العميقة.
هذا الأمر يثير سؤالين. أولا، ما هي القضايا الدستورية الفعلية؟ في أوروبا، تشكل العضوية في الاتحاد الأوروبي جزءاً من دستور العديد من البلدان. ولا يمكن أن يقرر البرلمان الخروج من خلال إجراءات عادية. ومع ذلك، فاٍن النطاق الدستوري أوسع: فمن الناحية القانونية، تقع جميع أحكام معاهدات الاتحاد الأوروبي بموجبه. وهنا تبدأ المشكلة. سيكون من غير المنطقي الاحتجاج على النقاش السياسي حول أحكام معاهدة الاتحاد الأوروبي بشأن صيد الأسماك أو الاتصالات، أو حتى الإطار المالي. ويجب أن تنتمي هذه الأحكام إلى التشريعات العادية (توضيح هذا التمييز كان أحد أهداف المعاهدة الدستورية الفاشلة للعام 2005). ولكن، بدلا من توفير رسم دقيق، فإن الحدود القانونية بين الأحكام الدستورية والعادية تخلق ارتباكاً سياسياً. ويمكن مسامحة المواطنين لعدم امتلاكهم فكرة واضحة عن الفارق بين ما هو دستوري وما هو سياسي.
ثانياً، ما نوع القرار الذي ينبغي تطبيقه على الخيارات الدستورية الحقيقية؟ إن المادة 50 من معاهدة لشبونة، كما رأينا، تمكن الاتحاد الأوروبي من تقرير كيفية إدارة قرار المملكة المتحدة بالمغادرة. لكن معظم البلدان ليس لديها مادة في دستورها تحدد كيفية اتخاذ القرار حول ما إذا كانت ستنهي عضوية الاتحاد الأوروبي أو اليورو. وقد وصف كينيث روجوف، من جامعة هارفارد، اعتماد بريطانيا على استفتاء الأغلبية البسيطة بأنهاء شراكة "الروليت الروسي للجمهوريات" منذ 55 عاماً، لأن الإجراء لم يتضمن الضوابط والتوازنات التي كان ينبغي أن يتطلبها اتخاذ مثل هذا القرار.
طالما بقيت العضوية في الاتحاد الأوروبي واليورو تحظي بموافقة واسعة النطاق، فإن هذه الاختلافات ستحظى باهتمام الخبراء القانونيين فقط. ولم يعد هذا هو الحال الآن، وربما لن ينتهي النقاش حوله على المدى القريب. ولذلك، حان الوقت لجعل التمييز بين الالتزامات الأوروبية الدستورية وغير الدستورية جزءاً واضحاً من النظام السياسي لبلداننا.
إن خط الفصل الذي قام به الرئيس الإيطالي صحيح من حيث المبدأ: بما أن العملة المشتركة هي مؤسسة اجتماعية أساسية. وبسبب الروابط مع الدول الشريكة التي تشملها، والعواقب المالية والاقتصادية والجيوسياسية الرئيسية للخروج المحتمل، فإن عضوية اليورو يجب أن تنتمي إلى المجال الدستوري. وكان من الممكن قبول موقف ماتاريلا بسهولة أكبر لو تم التعبير عنه بوضوح في وقت مبكر. إن حقيقة إعلان قراره فقط عندما اندلع صراع بين الرئاسة وقادة الأغلبية البرلمانية أدى إلى الشك في شرعيته ومنح خصومه الفرصة للمطالبة بالأرضية الأخلاقية العالية.           
تتمثل المهمة الأساسية لأوروبا في التوفيق بين حق المواطنين في اتخاذ خيارات جذرية مع ضرورة التأكد من أن القرارات التي تؤدي إلى اضطرابات دستورية تخضع لمشاورات عامة كافية ومدروسة بشكل كافٍ تؤدي إلى تعبير واضح ومتزامن لإرادة الشعب. ويجب أن لا يكون الاتحاد الأوروبي واليورو بمثابة سجنين دستوريين؛ ولا ينبغي أن يخضع لقرارات غير مدروسة. ويتطلب تحقيق التوازن الصحيح إجراءات تفرض الشرعية اللازمة.

*أستاذ في كلية هيرتي للحكم (برلين)، يشغل كرسي توماسو بوداو-شيوبا في المعهد الجامعي الأوروبي، وهو زميل ميركاتور البارز في برويغيل، وهو مركز أبحاث مقره بروكسل. 
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
أقراء أيضا
أستفتاءات
أكثر التحديات التي تواجه الأردن؟
الأوضاع الإقتصادية الصعبة
الانتهاكات الإسرائيلية والإنحياز الأمريكي في قضية القدس والعملية السياسية
التدخلات الإيرانية وتهديد المنطقة العربية
أزمة دول المقاطعة العربية مع قطر
الأوضاع الاقتصادية والخطر الإسرائيلي معاً
الأوضاع الإقتصادية والخطر الإيراني معاً



تابعونا على الفيس بوك