المزيد
الصين معجزة العصر.. أين موقع العرب على خريطتها ؟

التاريخ : 06-04-2016 |  الوقت : 08:38:44

كتب- حاتم العبادي - منذ ان بدأت رحلتي الى الصين بدعوة من السفارة الصينية في عمان، ضمن وفد اعلامي عربي، لزيارة بكين وعدد من المدن هنالك، كان السؤال الاكبر الذي ابحث عن اجابة عليه، يتمثل بـ ما هو سر «الوصفة الصينية»، التي جعلت من هذا البلد خلال فترة قياسية، «حالة متفردة» وعملاقا على مستوى العالم اقتصاديا وانها بشهادة العالم قوة اساسية على الساحة الدولية سياسيا وعسكريا.
محطات كثيرة ومتنوعة ومتكاملة، تشكل في مجملها استراتيجية الصين التي تجاوزت بسرعة حالة التوتر والحروب الاهلية التي مرت بها، لتسجل حضورا لها على الخارطة الدولية كثاني أكبر اقتصاد في العالم واسرعه نموا.
تفاصيل الزيارة كشفت طبيعة التوجه الذي ترغب فيه الصين لرسم علاقتها مع الدول العربية، إذ انها تسعى الى طوي المسافات بكافة ابعادها، مرتكنة على جذور صداقة ضاربة في اعماق التاريخ، عززت تفعيل مبادرة «طريق الحرير» برا وبحرا.
ولم يقتصر التوجه على الخطاب الاعلامي، بل تجسد واقعيا بمبادرات وخطوات فعلية، وقد تكون الزيارة نفسها جزءاً منها، إذ اطلقت العام الحالي وثيقة «سياسة الصين تجاه الدول العربية» في المجالات السياسية والاستثمار والتجارة والتنمية الاجتماعية والتواصل الانساني والثقافي والسلام والتعاون.
نماذج متعددة ، في مجالات متنوعة، حرص الجانب الصيني، أن يقدمها للوفد الاعلامي، لتحاكي «قصة نجاح» الصين، منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتنموي والحضاري.
فعلى الصعيد السياسي، تحرص جمهورية الصين على تغليب لغة الحوار والتسويات السلمية لتجاوز الازمات سواء الداخلية في البلدان او الخارجية بين الدول، وان يكون حضورها منطوياً ضمن هذا الاطار يسعفها في هذا التحرك انها عضو دائم في مجلس الامن الدولي وعضو فاعل في الكثير من المنظمات الاقليمية والدولية.
وتلتقي المواقف الصينية مع المواقف العربية في كثير من القضايا العربية، فهي ترى ان القضية الفلسطينية هي قضية رئيسية للشرق الاوسط، وانها تبذل جهودا خاصة لاحياء العملية السياسية للازمة السورية، إذ انها ( الصين) عضو في مجموعة اصدقاء سوريا ورغم حالة الاستقطاب الدولي في هذه الازمة الطاحنة بقيت الصين على مسارها تلتقي في منتصف الطريق مع مختلف اطراف الازمة.
ولا يخفي مسؤول بارز في الخارجية الصينية، انزعاج بلاده من النزاعات التي تشهدها منطقة الشرق الوسط، إذ يقول « بكل صراحة ان النزاعات التي تشهدها الشرق الاوسط تزعجنا، لان جميع الدول تعتبر اصدقاء للصين وهذا محرج لنا».
وقال مستشار إدارة غربي اسيا وشمالي افريقيا بالخارجية الصينية شياو جيونتشنغ ان «اي مشكلة تواجهها الدولة العربية تتألم الصين لاجلها» مؤكدا ان موقف الصين تجاه المسائل الداخلية للدول، يجب حلها وتسويتها عبر الحوار والطرق الدبلوماسية».
واكد جيونتشنغ ضرورة بذل الجهود لاعادة القواسم المشتركة وان يصب حل النزاعات في مصلحة الاستقرار والامن في المنطقة العربية»، لافتا الى ان موقف الصين واضح في مكافحة الارهاب فهي تقف بقوة مع الحرب عليه.
يشار الى أن الصين لم ترسل، حتى الان، اي قوات عسكرية لاي جهة لمحاربة الارهاب الذي تشهده بعض الدول العربية.
ويرى ان العلاقات مع الدول العربية تمتد الى حوالي (60) عاما تقريبا، حيث تطورت بشكل سلس ولدينا تجارب ناجحة، مؤكدا ضرورة مراجعة التجارب لوضع سياسة انسيابية جوهرية اتجاه الدول العربية».
واشار الى زيارة الرئيس الصيني الاخيرة الى المنطقة العربية، والتي وصفها بانها «مهمة جدا» وانها الاولى بعد اندلاع الربيع العربي.
وعلى صعيد التعامل الاقتصادي، يشير جيونتشنغ الى أن الصين تعد ثاني اكبر اقتصاد في العالم، ان المصلحة ازدادت لتوطيد العلاقات مع الشرق الاوسط، وان الصين حريصة على تطوير العلاقة، إما بإتخاذ النمط ذاته الاخرى ام سيكون هنالك نمط جديد في تلك العلاقة.
وتجلى الحرص الصيني على تنمية العلاقات العربية- الصينية وتعزيزها، في البعد الاكاديمي، إذ تضمنت الرحلة زيارة الى جامعة الدراسات الاجنبية «بيجين» وتحديدا كلية اللغة العربية ومركز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية ، إذ يلتحق بهذه الكلية العشرات من الطلبة لتعلم اللغة العربية، ليكونوا فيما بعد ممثلين لبلدهم في المنطقة العربية، إذ أكد عميد الكلية ان العديد من خريجيها اصبحوا مسؤولين في السفارات والسلك الدبلوماسي.
تأسس مركز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية في عام 1994، وتبرع بتكلفة إنشائه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، خلال الزيارة التي قام بها إلى العاصمة بكين في عام 1990، وأصبح المركز مؤسسة تعليمية بارزة لتدريس اللغة العربية في الصين، وصرحاً معرفياً لنشر الثقافة الإسلامية.
خلال الزيارة، غنت احدى الطالبات الصينيات واسمها «عائشة»، مسلمة، مقاطع للفنانة فيروز، بأداء جميل لاقى استحسان واعجاب الوفد.
وبدأ تدريس اللغة العربية في الجامعة في 1958، وتعد اول جامعة تمنح درجة الماجستير والدكتوراه في اللغة العربية وادابها، حيث يبلغ عدد الخريجين من حملة الشهادات (البكالوريس والماجستير والدكتوراه ) حوالي 2000 خريجي، الى جانب إصدار ملفات وترجمات وابحاث.
يشار الى ان (50) جامعة تقريبا في الصين تدرس اللغة العربية حاليا.
كما تضمنت الزيارة ايضا الجمعية الصينية للصحفيين وفتح نقاش مع قسم التواصل الدولي بالجمعية، حول طبيعة عمل الجمعية وعضويتها وكيفية اختيار الاعضاء.
الى جانب إذاعة الصين الدولية، والتي تقدم برامج باللغة العربية ويضم كاردها اعلاميين عرب، حيث تسعى الاذاعة الى زيادة رقعة الانتشار لها في ارجاء الوطن العربي، بما يعزز التقارب في العلاقات العربية الصينية.
ويوجد لإذاعة الصين الدولية مكاتب إقليمية بعدد من الدول العربية، ومراسلون صحفيون إلى جانب برامج تعنى بالتواصل مع المواطنين العرب المقيمين بالصين، وتعريف مواطني الدول العربية بالمجتمع الصيني وثقافته وعاداته.
وتضمنت محطات الزيارة في بكين سور الصين العظيم وكذلك متحف القصر الامبراطوري.
ويعتبر سور الصين العظيم، الذي يمتد لحوالي (2400) كيلو مترتقريبا، مشروعا دفاعيا عسكريا قديما بارزا ونادرا في التاريخ المعماري البشري. إنه رمز للأمة الصينية، ولم يظهر ذكاء أسلاف الصينيين فحسب، بل يجسد جهدا بذلوا فيه العرق والدماء. ويشتهر في العالم بتاريخه العريق وضخامة تحصيناته وعظمته وقوته.
ويقع القصر الإمبراطوري وسط مدينة بكين. وكان مقر إقامة الأباطرة من أسرتي «مينغ» ثم «تشينغ». ويشتهر بـ»المدينة المحرمة». استغرق تشييده 14عاما ويعتبر أكبر مجموعة من القصور القديمة المحفوظة في الصين، ويحتوي على حوالي مليون قطعة من التحف الفنية النادرة.
وضمن محطات الزيارة، كان مدينة «تشيويفو»، والتي تعتبر مسقط راس كونفوشيوس، حيث زار الوفد قصر اسرة ومقبرة كونفوشيوس، حيث يعد من المعالم التاريخية والحضارية العالمية في الصين.
ويعتبر كونفوشيوس أول فيلسوف صيني يفلح في إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الاجتماعي والأخلاقي، إذ أن فلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية وعلى أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب، حيث اثرت تعاليمه وفلسفته بعمق في الفكر والحياة.
الى جنب زيارة شركة (Sinopec)، للصناعات النفطية والبتروكيماوية، والتي تعد من الشركات العملاقة عالميا، والتي لها اذرع استثمارية في المنطقة العربية، إذ تعد من كبرى الشركات النفطية المملوكة للدولة وشركات الطاقة والمواد الكيميائية في الصين، ومقرها في تشاويانغ، بكين.
وفي المحطة الثانية كانت مدينة جينان، التي تعتبر عاصمة مقاطعة شاندونغ، حيث التقى الوفد مع مسؤولين في المقاطعة، حيث قدموا للوفد شرحا حول الانجازات في جوانب متعددة شملت التخطيط التنموي والاسكان والوضع المالي والتجاري والاستثمار.
وبحسب مسؤول في المقاطعة فإن حجم الصادرات والواردات بين مقاطعة شاندونغ والاردن بلغ العام الماضي (170) مليون دولار امريكي، إذ بلغت الصادرات الصينية (160) مليون دولار والواردات (10) ملايين دولار، اما على صعيد العقود والمقاولات، فقد تم توقيع عقود بقيمة (190) مليون دولار.
وبلغ حجم الاستثمارات الاردنية هنالك (63) مليون دولار تقريبا من خلال (15) مشروعا، حيث تم تنفيذ عقود بقيمة (20) مليون دولار.
ويبلغ عدد سكان المقاطعة (98) مليون نسمة وأجمالي الناتج المحلي يصل الى (6) تريليون يوان ( العملة الصينية) والحصة الفردية لاجمالي الناتج يصل الى (64) الف يوان، وان اربع شركات يزيد دخلها السنوي عن (100) مليار دولار.
وتبلغ نسبة معالجة الصرف الصحي (95%)، ومعالجة النفايات الى (100%)، إذ يتم معالجة (52) الف طن يوميا من النفايات و(130) مليون طن من المياه.
وتبلغ حصة الفرد من المساحات الخضراء (17.1) متر، وتسعى الى المحافظة على البعد الحضاري بطراز جديد، وتبلغ عدد المشروعات السكنية المدعومة من الحكومة (547) الف وحدة سكنية، ويبلغ موجودات صندوق ادخار الاسكان (48) مليار يوان، وتقدم القروض إلى (170) الف اسرة، بمبلغ اجمالي (50) مليار يوان.
وتعمل على ترميم الاحياء العشوائية وتحويل الارياف الى مدن حضارية وارياف نموذجية.
وتضمنت محطة جينان، زيارة الى المجموعة الصينية لصناعة الشاحنات الثقيلة (sinotruk)، وزيارة الى مجموعة صينية لتكنولوجيا المعلومات (inspur)، حيث اطلع الوفد على احدث التقنيات الحديثة التي جعلت من منتجات الشركتين منافسة عالمية.
طيلة فترة الزيارة، لم يكن بإمكان اعضاء الوفد من تصفح مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) او (التويتر)، او محرك البحث (غوغل)، كحال كل من تطأ قدماه ارض الصين، التي تبلغ (9.6) مليون كيلو متر مربع ويقدر سكانها بـ01.3) مليار نسمة، بسبب حظر الحكومة للتعامل مع هذه المواقع.
وتبرر الحكومة الصينية حظر التعامل مع تلك المواقع باسباب تتعلق بالامن المعلوماتي الصيني، ولعدم خضوع تلك المواقع للقانون الصيني.
بالمقابل، وفرت الصين لمواطنيها برمجيات ومواقع تواصل اجتماعي، تحاكي في فكرتها والخدمات التي تقدمها تلك المواقع المحظورة.
الطريق بين الصين والدول العربية، هل يسير بإتجاه واحد(بكين- الدول العربية)، ام انه سيكون بمسربين (الدول العربية- بكين) و(بكين- الدول العربية)، خصوصا ان الارضية لبناء شراكات قوية متوفرة، تتمثل في جذور الصداقة وارتباط الصين والعرب بطريق الحرير برا وبحرا، والتوافق والانسجام في مبادىء تحقيق السلام والتعاون والانفتاح والتسامح، والبناء على الانجازات المشتركة، والتي تدعهما رغبة وارادة سياسية وشعبية نحو مزيد من التعاون.وكالة كل العرب الاخبارية



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات على هذا الخبر
أضف تعليق
اضافة تعليق جديد

الحقول التي أمامها علامة * هي حقول لابد من ملأها بالبيانات المطلوبة.

:
:
:
 
أخر الأخبار
أقراء أيضا
أستفتاءات
هل ستتمكن الحكومة الجديدة برئاسة هاني الملقي من احداث التغيير المنشود؟
نعم
لا
إلى حد ما
لا أدري



تابعونا على الفيس بوك